الغزالي

80

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

لشارب ، ولا تبقى لصاحب ، فخذ زادا من يومك لغدك ، فلا يبقى يوم عليك ولا غد . ويقال إنه كان على قبر يعقوب بن ليث مكتوبا هذه الأبيات ، عملها قبل موته وأمر أن تكتب على قبره ، وهي هذه : سلام على أهل القبور الدوارس * كأنهم لم يجلسوا في المجالس ولم يشربوا من بارد الماء شربة * ولم يأكلوا ما بين رطب ويابس فقد جاءني الموت المهول بسكرة * فلم تغن عني ألف آلاف فارس فيا زائر القبر اتّعظ واعتبر بنا * ولا تك في الدّنيا هديت بآنس خراسان نحويها وأطراف فارس * وما كنت عن ملك العراق بآيس سلام على الدّنيا وطيب نعيمها * كأن لم يكن يعقوب فيها بجالس سؤال وجواب : سئل ملك كان قد زال عنه الملك فقيل : لأي سبب انتقلت الدولة عنك وسلمت إلى غيرك وسلبت منك ؟ فقال : لاغتراري بالدولة والقوة ، ورضاي برأيي وعلمي ، وغفلتي عن المشورة ، وتوليتي لأصاغر العمال على أكابر الأعمال ، وتضييعي الحيلة في وقتها ، وقلّة تفكّري في الحيلة وإعمالها وقت الحاجة إليها ، والتباطؤ والوقفة في مكان العجلة ، والفرصة والاشتغال عن قضاء الحوائج . وقيل : أي الأشرار أكثر شرّا ؟ فقال : الرسل الخونة الذين يخونون في الرسالة لأجل أطماعهم ، فكل خراب المملكة منهم ، كما قال أزدشير في حقهم : كم سفكوا من الدماء وكم هزموا من الجيوش ، وكم هتكوا من أستار ذوي الحرمات الأحرار ، وكم من يمين كذّبوها بخيانتهم ، وكم من عهود نقضوها بقلّة أمانهم ، وكم اجتاحوا من الأموال . وكان ملوك العجم يتحرّزون ويتحفّظون وما كانوا ينفذون رسولا إلّا بعد أن يجربوه ويمتحنوه . حكمة : يقال إن ملوك العجم كانوا إذا أرسلوا رسولا إلى الملوك أرسلوا معه جاسوسا ليكتب جميع ما قاله وما سمعه ، فإذا عاد الرسول قابلوا كلامه بالنسخة التي كتبها الجاسوس فإن صحّ مقاله علموا أنه صادق ، فكانوا يرسلونه بعد ذلك إلى الأعداء . حكاية : أرسل الإسكندر رسولا إلى الملك دارا بن دارا ، فلمّا عاد الرسول وأعاد